الشيخ الطبرسي
297
تفسير جوامع الجامع
منْهُ تَنْقُلُ وتَستَنْسِخُ ( لَعَلِىٌّ ) أي : عَال رَفيعُ الشَّأْنِ في الكُتُبِ لكَونِهِ مُعْجِزَاً من بَينِها ، ( حَكِيمٌ ) ذو حكمة بالغَة ، أي : مَنْزِلتُهُ عنْدَنَا منزلةَ كِتَاب هُمَا صِفَتَاهُ ، وهو مُثْبَتٌ في أُمِّ الكتابِ هكذا . ( أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمْ الْذِّكْرَ ) أي : أَفَنُنحي ( 1 ) عنْكُم الذكْرَ ونَذُودُهُ عَنْكُم على سبيِلِ المَجَازِ ، من قَولِهِم : " ضَرْبَ الغَرائِبِ عن الحَوْضِ " ( 2 ) والفاءُ للعَطْفِ على محذُوف تَقْديرُهُ : أنُهْمِلُكُم فَنَضْرِبُ عنْكُم الذِكْرَ ( صَفْحاً ) على وَجْهَيْنِ : إمَّا مَصْدَرٌ مِنْ : صَفَحَ عَنْهُ إذَا أَعْرَضَ ، انْتَصَبَ على أَنَّه مفعُولٌ لَهُ على معنى : أَفَنَعْزِلُ عنْكُم إنْزالَ القُرآنِ وإلْزَامَ الحُجَّةِ إعْراضاً عَنْكُم ، وإمَّا بمعنَى الجَانِبِ فانتَصَبَ علَى الظَّرْفِ كما تَقُولُ : فُلانٌ يَمْشي جَانِبَاً ( أَنْ كُنْتُمْ ) لاََنْ كُنْتُم . وقُرِئ " إنْ كُنْتُم " ( 3 ) وإنَّما استَقَامَ معنَى الشَّرْطِ وقد كانُوا ( مُسْرِفِينَ ) على القَطْعِ ، لأنَّه من الشَّرْطِ الَّذي يَصْدُرُ عن المُدِلِّ أي : المُظْهِر بصحَّةِ الأَمرِ المُتَحَقِّقِ لِثُبُوتِهِ ، كَمَا يقُولُ الأجيرُ : إنْ كنْتُ عَمِلْتُ لكَ فَوَفِّني حقِّي ، وهو عالِمٌ بذلكَ ولكنَّه يُخيِّلُ في كَلامِهِ أَنَّ تَفرِيطَكَ في الخُروجِ عن الحقِّ فِعْلُ مَن لَهُ شَكٌّ في الاستحقاقِ مع وضُوحِهِ استِجْهالاً لَهُ . ( وَمَا يَأْتِيهِمْ ) حكايةُ حال ماضية مُسْتَمِرّةٌ ، وهي تَسليةٌ لرسولِ اللهِ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) عن استهزاءِ قَومِهِ . الضَّميرُ في ( أَشَدَّ مِنْهُم ) للمُسْرفينَ ، لأنَّه صَرَفَ الخِطَابَ عنْهُم إلى رسولِ اللهِ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) يُخْبِرُهُ عنْهُم ( وَمَضى مَثَلُ الأْوَّلِينَ ) أي : سَلَفَ في القُرآنِ في مواضِعَ منْهُ ذِكْرُ قِصَّتِهِم الّتي سارَتْ مَسيرَ المَثَلِ ، وهذا وَعدٌ لرسُولِ اللهِ وَوَعيدٌ
--> ( 1 ) في نسخة : " أفنحمي " . ( 2 ) في المجمع : " ضَرَبَه ضَرْبَ غرائب الإبلِ " وذلك أنّ الغريبة تزدحم على الحياض عند الورود ، وصاحب الحوض يطردها ويضربها بسبب إبله . والمثل يُضرب في دفع الظالم عن ظلمه بأشدّ ما يمكن . راجع مجمع الأمثال : ج 1 ص 432 . ( 3 ) قرأه نافع وحمزة والكسائي . راجع كتاب السبعة في القراءات : ص 584 .